محمود سالم محمد
390
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وظن هؤلاء أنهم يمدحون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأفضل ما عندهم ، فزادوا في اصطناع بديعهم ، حتى اقتربوا من نظم هذه الفنون في مدائحهم النبوية ، وقد بدأ اصطناع البديع في المديح النبوي مع رسوخ هذا الفن واستقلاله ، وزاد بتقدم الزمن إلى أن أصبح في نهاية العصر المملوكي مقترنا به ، وكأن مدح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا يتم إلّا بفنون بديعهم الذي أهدروا فيه طاقاتهم الذهنية ، وظلموا في سبيله ملكاتهم الشعرية . ولا شك أن شعراء المديح النبوي تفاوتوا في احتفالهم للبديع حسب مذهب كل منهم في الشعر ، وحسب ترتيبهم الزمني ، فنجد شعراء قد أضربوا عن استخدام البديع في شعرهم ، فلا نعثر عليه عندهم إلا لماما ، وخاصة أولئك الذين كانوا بمعزل عن مركز الحركة الأدبية في الجزيرة العربية أو المغرب العربي ، ونجد شعراء آخرين يدرجون بعض فنون البديع في شعرهم دون إكثار أو افتعال ، فهم يستخدمونها حين تكون الفرصة مواتية وحين لا تسيء إلى الصياغة أو المعنى ، ونجد شعراء غيرهم ، كل همّهم حشد البديع حشدا في قصائدهم ، دون أن يعيروا صياغتهم أو معانيهم أي اهتمام . ومن أمثلة الأسلوب الموشى بفنون البديع في المديح النبوي ، دون أن يفقد رونقه وانسجامه ، قول ابن أبي الفرج الجوزي « 1 » : يكفيه أنّ اللّه جلّ جلاله * آوى ، فقال : ( ألم يجدك يتيما ) درّ يتيم في الفخار ، وإنّما * خير اللآلي أن يكون يتيما « 2 »
--> ( 1 ) ابن الجوزي : يوسف بن عبد الرحمن بن علي البكري البغدادي ، أستدار الخلافة المستعصمية وسفيرها ، ولي الحسبة ببغداد ، وأنشأ الرسائل الديوانية ، وله نظم جيد ، توفي سنة ( 656 ه ) . ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 5 / 287 . ( 2 ) القنوشي : التاج المكلل ص 246 - الآية أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً ، سورة الضحى ، آية ( 6 ) .